ابن عجيبة
399
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يعلمون علما لا يخالجه شك ولا وهم ؛ لإمعانهم النظر فيها ، أو : هبة من اللّه تعالى . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ ؛ يقضى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي : بين الأنبياء وأممهم ، أو : بين المؤمنين والمشركين ، فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الدين ، فيظه المحقّ من المبطل . الإشارة : أئمة الهدى على قسمين : أئمة يهدون إلى شرائع الدين ، وأئمة يهدون إلى التعرف بذات رب العالمين ، أئمة يهدون إلى معرفة البرهان ، وأئمة يهدون إلى معرفة العيان . الأولون : من عامة أهل اليمين ، والآخرون : من خاصة المقربين . الأولون صبروا على حبس النفس على ذل التعلم ، والآخرون صبروا على حبس النفس على الحضور مع الحق على الدوام . صبروا على مجاهدة النفوس ، حتى وردوا حضرة القدّوس . قال القشيري ، في شأن القسم الثاني : لمّا صبروا على طلبنا ؛ سعدوا بوجودنا ، وتعدّى ما نالوا من أفضالنا إلى متّبعيهم ، وانبسط شعاع شموسهم على جميع أهليهم ، فهم للخلق هداة ، وفي الدين عيون ، وللمسترشدين نجوم . ه . وفي الإحياء : للإيمان ركنان : أحدهما : اليقين ، والآخر : الصبر . والمراد باليقين : المعارف القطيعة ، الحاصلة بهداية اللّه عبده إلى أصول الدين ، والمراد بالصبر ، العمل بمقتضى اليقين ؛ إذ النفس تعرف أن المعصية ضارة والطاعة نافعة . ولا يمكن ترك المعصية والمواظبة على الطاعة إلا بالصبر . فيكون الصبر نصف الإيمان لهذا الاعتبار . ه . وقوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ . . ، قال القشيري : يحكم بينهم ، فيبين المقبول من المردود ، والمهجور من الموصول ، والرّضى من الغوىّ ، والعدو من الولىّ . فكم من بهجة دامت هناك ! وكم من مهجة ذابت كذلك . ه . ثم ذكّرهم بمن سلف قبلهم ، فقال : [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 26 ] أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ ( 26 ) قلت : فاعل « يهد » : هو اللّه ، بدليل قراءة زيد عن يعقوب « نهد » بالنون ، ولا يجوز أن يكون الفاعل « كم » ؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام ، فلا يعمل فيه ما قبله . يقول الحق جل جلاله : أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ أي : يبين لهم اللّه تعالى ما يعتبرون به ، فينظروا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ ؛ كعاد ، وثمود ، وقوم لوط ، يَمْشُونَ يعنى : قريشا ، فِي مَساكِنِهِمْ حين